270-المصاهرة

موقع سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي(دام ظله).

صفحه کاربران ویژه - خروج
الترتيب على أساس
 

270-المصاهرة

بسم الله الرحمن الرحیم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرین.

حرمة معقودة الأب على ابنه وبالعکس

کُنّا فی مقام الاستدلال على هذه المسألة من الآیات، وفی الآیة 23 من سورة النساء یوجد فقرة تقول: (وَحَلائِلُ أبْنَائِکُمُ الَّذِینَ مِن أصْلابِکُم) فهنّ محرّمات علیکم. وها هنا یطرح سؤال: هل أنّ هذه الآیة تحذف الابن الرضاعی فلا تکون زوجته محرّمة، والحال أنّ هناک إجماعاً على حرمتها، وأنّه بمنزلة الابن النسبی؟ إذن لماذا ذکر القرآن قید: (مِن أَصْلابِکُم)؟.

والجواب: هذا قید احترازی یراد به إخراج الأدعیاء، حیث إنّه کان متعارفاً فی الجاهلیة أن یتبنى شخص ولداً ویرتب علیه کلّ أحکام الولد من الصلب، فجاءت الآیة الشریفة وقالت: (ادْعُوهُم لآبَائِهِمْ)(1) الحقیقیین، فهم لیسوا أولادکم. وفی قصة زواج النبی ـ صلّى الله علیه وآله وسلم ـ من بنت عمته زینب بن جحش مثال واضح لهذه المسألة، حیث إنّها کانت زوجة زید دعیّ النبی صلّى الله علیه وآله وسلم، فتزوجها النبی ـ صلّى الله علیه وآله وسلم ـ بعد أن طلّقها زید. وقد ذکر القرآن هذه القصة مفصّلاً فی سورة الأحزاب فی الآیات 37 و38 و39 و40.

فلیست الآیة إذن ناظرة إلى إخراج الابن الرضاعی، بل إنّ الابن الرضاعی بمعنى ما یُعدّ ابناً من الصلب؛ لأنّه قد ارتضع اللبن المستند إلى هذا الرجل، واللبن یخرج من الصلب، فتکون الآیة شاملة له بهذا اللحاظ. وسواء قبلنا هذا التوجیه أم لم نقبله فإنّ هذا القید ناظر إلى إخراج الأدعیاء ولا ربط له بالرضاع.

فهذه لیست مشکلة فی الاستدلال بالآیة. نعم، هناک مشکلة فی الاستدلال بالآیتین محلّ البحث من ناحیة أنّهما خاصتین بالأب والابن بلا واسطة، ولا تشملان الأجداد والأحفاد، فلا تدلان على حرمة زوجة الجدّ وزوجة الحفید.

إن قلت: قد استعمل الآباء فی القرآن واُرید به الأجداد کما فی قصة وصیة یعقوب لبنیه التی أشرنا إلیها فی الدرس الماضی، وأیضاً اُطلق الأبناء على الأحفاد فی القرآن، کما فی الخطابات القرآنیة بـ(یَا بَنِی آدَمَ)(2)، حیث إنّها شاملة لنا، ونحن أحفاد لآدم ـ علیه السلام ـ ولسنا أبناءه بلا واسطة.

إذن یکون المراد فی الآیتین محلّ البحث هو هذا المعنى الواسع أیضاً الشامل للأجداد والأحفاد.

قلنا: إنّ هذه إطلاقات مجازیة ولیست حقیقیة، ولذا فإنّها تحتاج إلى قرینة، ولهذا لو أوصى أحد بإعطاء شیء معین لابنائه فإنّه لا یعطى منه للأحفاد شیء قطعاً، ولو کان مراده الأعم لکان علیه نصب قرینة على ذلک.

وهل هناک قرینة فیما نحن فیه على إرادة الأعم؟ من المشکل ادّعاء وجود مثل هذه القرینة، ولذا فإنّه لأجل إسراء الحکم إلى زوجات الأجداد والأحفاد لابدّ من التوسل بالإجماع.

إن قلت: هل هناک مجاز فی القرآن؟! القرآن کله حقیقة، فکیف تقولون بأنّ هذه الاستعمالات مجازیة؟

قلنا: للمجاز معنیان:

الأوّل: المجاز المقول فی العرف العام، والذی هو بمعنى الشیء الفارغ.

وهذا لا یوجد فی القرآن منه شیء.

الثانی: المجاز المقول فی علم المعانی، وهو ذلک المفهوم المغایر للمعنى اللغوی للکلمة، والمحتاج إلى قرینة. وهذا لیس شیئاً فارغاً، بل إنّه فی نظر العرف حقیقة، وإن کان فی علم المعانی یقال له: مجاز. وأحیاناً یکون أعلى من الحقیقة، کما فی استعمال صیغة المذکّر فی حق الله تعالى، فهو لیس معنى حقیقیاً ولکنه مجاز ما فوق الحقیقة، وصحیح أنّه لیس معنى لغویاً ولکنه لیس بلا محتوى.

والمجازات والکنایات فی الکلام رمز جماله، وهی وسائل فی أیدی الفصحاء والبلغاء، بل إنّه لا وجود للفصاحة والبلاغة من دون المجاز والکنایة. والقرآن ملیء بمثل هذه المجازات.

وهناک طریق آخر یمکن من خلاله التعمیم وهو التوسل بالاستقراء، بأن نقول: إنّ الملاحظ فی باب المحرمات بالنکاح أنّه کلّما کانت الحرمة أبدیة فإنّها تسری علواً وسفلاً إلاّ فی الموارد التی یجری استثناؤها، کما فی: (حُرِّمَتْ عَلَیْکُم اُمَّهَاتُکُمْ)(3) مثلاً، حیث تسری الحرمة إلى الجدّات بلا إشکال، وهکذا فی تحریم البنات تسری نزولاً إلى الحفیدات بلا إشکال أیضاً، فکأنّ التعمیم صعوداً ونزولاً هو القاعدة فی باب المحرّمات الأبدیة.

2 ـ الروایات

إنّ أکثر الروایات المتعرضة أو التی یمکن الاستدلال بها فی هذه المسألة مذکورة فی الباب الثانی من أبواب المحرمات بالمصاهرة من (الوسائل)، وبعضها صحیح السند وبعضها لیس کذلک، ولکنها من حیث المجموع متضافرة، وهذا یغنینا عن البحث فی أسانیدها.

وتجدر الإشارة إلى أن کثیراً من هذه الروایات لیست ناظرة إلى أصل المسألة، بل ناظرة إلى لوازمها وفروعها، ومن هذا یعلم أنّ أصل المسألة کان واضحاً إلى حدٍ استغنی فیه عن السؤال، وهذا یدل على التسالم والإجماع الحاصل فی أصل المسألة. ونذکر هنا بعضاً من تلک الروایات:

1 ـ عن أبی جعفر ـ علیه السلام ـ فی احتجاجه على أنّ الحسن والحسین ابنا رسول الله ـ صلّى الله علیه وآله وسلم ـ [وموضوع هذه الروایة هو أن عدّة من المخالفین کانوا یصرّون على المناقشة فی مسألة أنّ الحسن والحسین ـ علیهما السلام ـ ابنا رسول الله صلّى الله علیه وآله وسلم. وهذا نتیجة التفکیر الجاهلی حول هذه المسألة الذی یحکیه الشاعر قائلاً:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد

إذن لابدّ ألاّ یکون الحسنان ـ علیهما السلام ـ ابنی رسول الله صلّى الله علیه وآله وسلم، فلماذا تقولون عنهما ذلک؟ وقد کان الأئمة ـ علیهم السلام ـ یجیبون بأجوبة قاطعة عن ذلک، منها الجواب المذکور فی هذه الروایة] قال: ((إنّ الله یقول: (حُرِّمَتْ عَلَیْکُم اُمَّهَاتُکُم وَبَنَاتُکُم وَأخَوَاتُکُم ـ إلى قوله: وَحَلائِلُ أبْنَائِکُم الَّذِینَ مِن أَصْلابِکُمْ) فسلهم، هل یحلّ لرسول الله ـ صلّى الله علیه وآله وسلم ـ نکاح حلیلتیهما؟ فإن قالوا: نعم، کذبوا، وإن قالوا: لا، فهما والله ولداه لصلبه، وما حرما علیه إلاّ للصُلب))(4).

وهذه الروایة لا تتعرض بالمطابقة لمحل بحثنا، ولکنها بالالتزام واضحة فی الدلالة على حرمة حلائل الأحفاد، فتکون قرینة على التعمیم فی الآیة.

2 ـ عن محمد بن مسلم، عن أحدهما ـ علیهما السلام ـ أنّه قال: ((لو لم تحرم على الناس أزواج النبی ـ صلّى الله علیه وآله وسلم ـ لقول الله ـ عزّ وجلّ ـ: (وَمَا کَانَ لَکُمْ أَنْ تُؤذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أنْ تَنْکِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً)(5) حَرُمن على الحسن والحسین بقول الله ـ عزّ وجلّ ـ: (وَلا تَنْکِحُوا مَا نَکَحَ آبَاؤُکُم مِنَ النِّسَاءِ) ولا یصلح للرجل أن ینکح امرأة جدّه))(6).

وهذه الروایة أیضاً لا تتعرض بالمطابقة لمحلّ بحثنا، ولکنها تدل على ما نحن فیه بالالتزام والتضمّن، خصوصاً أنّه قد صرّح فیها بکلمة الجد.

3 ـ عن زرارة قال: قال أبو جعفر ـ علیه السلام ـ ـ فی حدیث ـ: ((وإذا تزوّج الرجل امرأة تزویجاً حلالاً، فلا تحلّ تلک المرأة لأبیه ولا لابنه))(7).

وهذه تدل بالمطابقة على المطلوب.

4 ـ عن محمد بن مسلم قال: قلت له [والروایة مضمرة، إلاّ أنّ ذلک لا یضرّ فی مثل روایة محمد بن مسلم المعلوم أنّه لا یسأل من غیر الإمام]: رجل تزوّج امرأة فلمسها؟ قال: ((هی حرام على أبیه وابنه ومهرها واجب))(8).

واللمس فیها کنایة عن الدخول، وحینئذٍ یطرح هذا السؤال: هناک إجماع على عدم شرطیة الدخول فی حرمة معقودة الأب أو الابن، إذن ما معنى السؤال عن الدخول هنا؟

والجواب: هو أنّ الظاهر کون ذلک مقدمة للکلام عن المهر، وأنّها تستحق المهر کاملاً.

5 ـ عن حمّاد، عن الحلبی، قال: سألت أبا عبد الله ـ علیه السلام ـ عن رجل تزوّج امرأة فلامسها، قال: ((مهرها واجب وهی حرام على أبیه وابنه))(9).

وصلّى الله على سیدنا محمد وآله الطاهرین.

________________________

(1) الأحزاب: آیة 5.

(2) الأعراف: 26، 27، 31.

(3) النساء: 23.

(4) الوسائل 20: 416، أبواب ما یحرم بالمصاهرة، ب2، ح12.

(5) الأحزاب: 53.

(6) الوسائل 20: 412، أبواب ما یحرم بالمصاهرة، ب2، ح1.

(7) الوسائل 20: 412، أبواب ما یحرم بالمصاهرة، ب2، ح2.

(8) الوسائل 20: 413 ـ 414، أبواب ما یحرم بالمصاهرة، ب2، ح5.

(9) الوسائل 20: 414، أبواب ما یحرم بالمصاهرة، ب2، ح6.

الهوامش:
  
    
تاريخ النشر: « 1279/01/01 »
CommentList
*النص
*المفتاح الأمني http://makarem.ir
عدد المتصفحين : 1847