262-شهادة النساء فی الحقوق والأموال

موقع سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي(دام ظله).

صفحه کاربران ویژه - خروج
الترتيب على أساس
 

262-شهادة النساء فی الحقوق والأموال

بسم الله الرحمن الرحیم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرین.

بقی هناک أمران فی ذیل هذا البحث لابدّ من التعرض لهما، هما:

الأمر الأوّل: فی أنه هل تقبل شهادة النساء فی الأوقاف؟

إنّ الوقف على ثلاثة أنحاء:

أ ـ الوقف الخاص، وهو الذی یکون على أشخاص معینین، وهو نوع ملک لا یقبل النقل والانتقال، ولا یقبل الوراثة.

وبعبارة اُخرى: هو حبس للعین وانتفاع بالثمرة، ومثاله: الوقف على الأولاد.

ب ـ الوقف العام، وهو الذی لا یکون على عموم الناس، بل على قسم خاصٍ منهم، کالمدارس الموقوفة على الطلبة، والمستشفیات الموقوفة على المرضى.

ج ـ فک الملک، وهو الذی یکون بإخراج الملک عن النفس بحیث یصبح بلا مالک أصلاً، ویحق للجمیع الاستفادة منه، کما فی المساجد. طبعاً هناک خلاف فی حقیقته، وأنه ملک لله، أو لعموم المسلمین، أو فک للملک.

والسؤال هو أنّه هل تقبل شهادة النساء فی تمام هذه الأقسام أو لا؟

إنّ القسمین الأوّلین فی الواقع نوع من المال، فلابدّ من قبول شهادتهنّ فیهما، وأمّا القسم الثالث ففیه بحث؛ لأنّ التعبیر الوارد فی العمومات هو: ((طالب الحق))، أی أنه تقبل شهادة النساء لطالب الحق، والحال أنّ المساجد لیس لها طالب حق؛ إلا إذا قال أحد بإلغاء الخصوصیة، وبأنّ ذلک حق ـ فی الواقع ـ لعموم الناس، فیشمله عنوان ((طالب الحق))، فتنحل المشکلة من هذه الناحیة، إلاّ أنّه هناک مشکلة من ناحیة تعبیر آخر وارد فی تلک الروایات هو: (...شهادة امرأتین مع یمین المدعی)(1) وفی مثل المساجد لا یوجد متولٍّ، باعتبار أنّ التولیة فی المساجد هی فقط لأجل النظارة على موقوفاتها، فمن هو الذی یحلف؟ إذن إثبات قبول شهادة النساء فی القسم الثالث من الوقف اعتماداً على الروایات السابقة مشکل.

والنتیجة: ما هو مسلّم قبول شهادتهنّ فی الوقف الخاص؛ لأنّه فی حکم الأموال، ولا یبعد فی الوقف العام القول بقبول شهادتهنّ أیضاً. ولکن لا یمکننا فی الوقف بمعنى فک الملک إثبات قبول شهادتهنّ أیضاً. اعتماداً على هذه الأدلة، إلاّ أن یقوم دلیل آخر على ذلک.

الأمر الثانی

هل تقبل شهادة النساء فی الاُمور التی تقع فی حاشیة الأموال، مثل الجنایات التی تجب فیها الدیة؛ والحقوق المرتبطة بالأموال مثل حق الخیار، وتحقق الفسخ، والإبراء، أو إسقاط بعض الحقوق، أو الأخذ بالشفعة، أو لا تقبل فی شیء من ذلک؟

نحن نوافق هنا صاحب (الجواهر) الذی قال بأنّ شهادتهنَّ تقبل فیها، اعتماداً على العمومات السابقة ـ مثل روایة منصور بن حازم ـ التی تشمل هذه الاُمور، وعلى کون قبولها فی هذه الاُمور أولى من قبولها فیما هی حاشیة له، بمعنى أنّه إذا کانت شهادتهن مقبولة فی البیع مثلاً فقبولها فی الخیار الثابت فی البیع أولى.

شهادة النساء فی النکاح

المعروف عند الشیعة عدم وجوب الإشهاد على النکاح وإن کان أفضل لأجل إحکام العمل، ووجوب الإشهاد فی الطلاق حیث تتوقف صحته علیه، ویقع البحث فی قبول شهادة النساء فیهما وعدم قبولها.

الأقوال

قال النراقی ـ قدس سره ـ: (المسألة الخامسة: اختلفوا فی قبول شهادتهنَّ مع الرجال فی النکاح، فعن المفید و(الخلاف) والدیلمی وابن حمزة والحلّی وظاهر (التحریر) المنع، وعن الصیمری نسبته إلى المشهور؛ لروایة السکونی المتقدمة. وعن العمانی [ابن أبی عقیل] والإسکافی [ابن الجنید] والحلبی والتهذیبین [(التهذیب) و(الاستبصار)] و(المبسوط) وابن زهرة و(الشرائع) و(الإرشاد) و(القواعد) و(الإیضاح) و(الدروس) وغیرهم من المتأخرین، بل الأکثر ـ کما عن (المسالک) ـ القبول، وعلیه الإجماع عن (الغنیة))(2).

ومنشأ هذا الاختلاف هو اختلاف الروایات، حیث إنّ هناک روایات کثیرة تحکم بقبول شهادة النساء فی النکاح، وهناک روایة عن السکونی تمنع ذلک، والروایات التی تحکم بالقبول ثمان روایات فی ثلاث طوائف.

الطائفة الاُولى: الروایات التی تحکم بقبول شهادتهنَّ فی النکاح مطلقاً.

1ـ وعنه، عن محمد بن الفضیل، عن أبی الصباح الکنانی ـ وقد وثقه جماعة ـ عن أبی عبد الله علیه السلام، : قال: ((قال علی ـ علیه السلام ـ: شهادة النساء تجوز فی النکاح، ولا تجوز فی الطلاق..))(3).

وهی مطلقة من ناحیة الانفراد والانضمام.

2ـ عن إبراهیم الحارقی ـ أو الحارثی ـ قال: سمعت أبا عبد الله ـ علیه السلام ـ یقول: ((..وتجوز شهادتهنَّ فی النکاح، ولا تجوز فی الطلاق..))(4).

3ـ وعن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زیاد، عن ابن أبی نجران، عن مثنى الحنّاط، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر ـ علیه السلام ـ عن شهادة النساء تجوز فی النکاح؟ قال: ((نعم، ولا تجوز فی الطلاق...))(5).

وهی مطلقة أیضاً؛ وسندها مشکل بسبب سهل بن زیاد.

الطائفة الثانیة: الروایات التی تحکم بقبول شهادتهنَّ فی النکاح منضمات.

1ـ عن أبی بصیر، قال: سألته عن شهادة النساء، فقال: ((…وتجوز شهادة النساء فی النکاح إذا کان معهنَّ رجل، ولا تجوز فی الطلاق…))(6).

وهی مضمرة، وتشتمل على جملة شرطیة مفهومها: (إذا لم یکن معهنّ رجل فلا تقبل)، فتکون منافیة لروایات الطائفة الاُولى ومقیدة لها.

2ـ عن الحلبی، عن أبی عبد الله ـ علیه السلام ـ أنه سئل عن شهادة النساء فی النکاح، فقال: ((تجوز إذا کان معهن رجل، وکان علی ـ علیه السلام ـ یقول: لا اُجیزها فی الطلاق…))(7).

وهذه الروایة تدل بمنطوقها على قبول شهادة النساء منضمات، وبمفهومها على نفی قبولها منفردات.

3ـ عن محمد بن الفضیل، قال: سألت أبا الحسن الرضا ـ علیه السلام ـ قلت له: تجوز شهادة النساء فی نکاح أو طلاق أو رجم؟ قال: ((… وتجوز شهادتهنّ فی النکاح إذا کان معهنَّ رجل.. ولا تجوز شهادتهنّ فی الطلاق…))(8).

وهذه أیضاً تدل بمنطوقها على قبول شهادتهن منضمات، وبمفهومها على نفی قبولها منفردات.

4ـ وعنه، عن سعد بن إسماعیل، عن أبیه إسماعیل بن عیسى، قال: سألت الرضا ـ علیه السلام ـ هل تجوز شهادة النساء فی التزویج من غیر أن یکون معهنَّ رجل؟ قال: ((لا، هذا لا یستقیم))(9).

وهذه على العکس، تنفی بمنطوقها قبول شهادتهنَّ منفردات، وتثبت بمفهومها قبولها منضمات.

والنتیجة: أن روایات هذه الطائفة تقید روایات الطائفة السابقة، ومفادها حینئذ قبول شهادة النساء فی النکاح منضمات إلى الرجال.

الروایات المعارضة:

هناک روایتان معارضتان، إحداهما للطائفة الاُولى، حیث إنها تنفی قبول شهادة النساء مطلقاً، والاُخرى للطائفة الثانیة، حیث تجوز شهادتهنَّ منفردات.

أمّا الروایة المعارضة للطائفة الأولى فهی: عن السکونی، عن جعفر، عن أبیه، عن علی ـ علیه السلام ـ أنه کان یقول: ((شهادة النساء لا تجوز فی طلاق، ولا نکاح، ولا فی حدود…))(10).

وهی روایة ضعیفة، وقد أعرض عنها الأصحاب، فلا یمکنها أن تکون معارضة.

وأمّا الروایة المعارضة للطائفة الثانیة فهی: عن داود بن الحصین، عن أبی عبد الله علیه السلام، قال: سألته عن شهادة النساء فی النکاح بلا رجل معهن إذا کانت المرأة منکرة، فقال: ((لا بأس به)) ـ وهی إلى هنا مرتبطة ببحثنا، حیث تصرح بقبول شهادة النساء منفردات، فتکون معارضة للطائفة الثانیة النافیة لقبول شهادتهنَّ منفردات ـ ثم قال: ((ما یقول فی ذلک فقهاؤکم؟))، ولم یکن داود بن الحصین سنیاً حتى ینسب الفقهاء إلیه، ولعل المقصود هو فقهاء أهل السنة فی منطقتکم ـ قلت: یقولون: لا تجوز إلاّ شهادة رجلین عدلین، فقال: ((کذبوا ـ لعنهم الله ـ هوّنوا واستخفوا بعزائم الله وفرائضه، وشدّدوا وعظّموا ما هوّن الله، إن الله أمر فی الطلاق بشهادة رجلین عدلین، فأجازوا الطلاق بلا شاهد واحد، والنکاح لم یجئ عن الله فی تحریمه [عزیمة]، فسنّ رسول الله ـ صلّى الله علیه وآله ـ فی ذلک الشاهدین تأدیباً ونظراً، لئلا ینکر الولد والمیراث..))(11).

وداود بن الحصین محل بحث، وقد وثقه جماعة من الرجالیین؛ وهو من الواقفیة الذین وقفوا على الإمام موسى بن جعفر علیه السلام، ویعتقدون بغیبته.

وقد قال العلاّمة ـ قدس سره ـ فی (الخلاصة) فی حقّه: (وعندی التوقف فی روایاته)، مع أنّ النجاشی قد وثقه. فهل أنَّ توقف العلاّمة فیه هو بسبب مذهبه؟ إنّ روایات کثیرین ممن هم فاسدوا المذهب مقبولة یُعمل بها، کما هو الحال فی روایات بنی فضّال الفطحیین، أو أن هناک نکتة اُخرى فی ذلک؟

وعلى فرض قبول سند الروایة فإنّ ذلک لا یجدی؛ لإعراض الأصحاب عن العمل بها. وهناک نکتة مهمة اُشیر إلیها فی هذه الروایة وهی لزوم الإشهاد فی الطلاق وعدم لزومه فی النکاح عند الشیعة، وعکس ذلک عند السنّة، مع أنَّ القرآن یشترط الإشهاد فی الطلاق صراحةً، ولا یشترطه فی النکاح.

والنتیجة: هی أنَّ هناک سبع روایات یستفاد من ملاحظتها قبول شهادة النساء منضمات فی النکاح ـ وهو القول المشهور ـ وعدم قبولها منفردات، والروایتان المعارضتان مشکلتان سنداً، ومعرض عنهما بین الأصحاب. إذن فالحق ما ذهب إلیه المشهور.

هذا کلّه فی النکاح، وأمّا شهادتهنَّ على الطلاق فیأتی الکلام عنها فی الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

وصلّى الله على سیدنا محمدٍ وآله الطاهرین.

______________________

(1) الوسائل 27: 271 ـ 272، أبواب کیفیة الحکم، ب15.

(2) المستند 18: 289.

(3) الوسائل 27: 357، کتاب الشهادات، ب24، ح25.

(4) الوسائل 27: 352، کتاب الشهادات، ب24، ح5.

(5) الوسائل 27: 354، کتاب الشهادات، ب24، ح11.

(6) الوسائل 27: 351، کتاب الشهادات، ب24، ح4.

(7) الوسائل 27: 351، کتاب الشهادات، ب24، ح2.

(8) الوسائل 27: 352 ـ 353، کتاب الشهادات، ب24، ح7.

(9) الوسائل 27: 362، کتاب الشهادات، ب24، ح39.

(10) الوسائل 27: 362 ـ 363، کتاب الشهادات، ب24، ح42.

(11) الوسائل 27: 360، کتاب الشهادات، ب24، ح35.

الهوامش:
  
    
تاريخ النشر: « 1279/01/01 »
CommentList
*النص
*المفتاح الأمني http://makarem.ir
عدد المتصفحين : 1680