257-شهادة النساء فی الحدود والدیّات والقصاص

موقع سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي(دام ظله).

صفحه کاربران ویژه - خروج
الترتيب على أساس
 

257-شهادة النساء فی الحدود والدیّات والقصاص

بسم الله الرحمن الرحیم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرین.

الحدود مثل: الزنا، القذف، السرقة، الارتداد، شرب الخمر، المساحقة، واللواط. وهی ما یعبّر عنه بالحق الإلهی، ویقع البحث فی قبول شهادة النساء فیها وعدم قبولها.

هناک تسالمٌ ظاهراً على عدم قبول شهادة النساء فی هذه الاُمور، وأنَّ الشارع المقدّس لم یرد للنساء أن یتلوثن بها. نعم، هناک استثناء فی الزنا إذا اجتمعت بعض الشرائط التی سوف یأتی بحثها مفصّلاً.

الأقوال

بعد أن قسّم الشیخ فی (المبسوط) الحقوق إلى قسمین: حق الله، وحق الناس قال: (فأمّا حقوق الله فجمیعها لا مدخل للنساء ولا للشاهد مع الیمین فیها... وروى أصحابنا أنَّ الزنا یثبت بثلاثة رجال وامرأتین، وبرجلین وأربع نسوة)(1).

وقال الشیخ المفید ـ رحمه الله ـ: (ولا یقبل فی الزنا واللواط ولا شیء ممّا یوجب الحدود شهادات النساء، ولا یقبل فی ذلک إلاّ شهادات الرجال)(2).

ولیس هناک ادّعاء إجماع فی هذه العبارات، بل أرسلوا ما ذکروه إرسال المسلّمات، وفصّل صاحب (الجواهر) فی المسألة، فقال: (فالأوّل منه ـ أی حق الله ـ ما لا یثبت إلاّ بأربعة رجال، کالزنا واللواط والسُحق)(3).

(ومنه أی ـ ما هو حق لله تعالى ـ ما یثبت بشاهدین عدلین، وهو ما عدا ذلک من الجنایات الموجبة للحدود کالسرقة وشرب الخمر والردّة... وحینئذٍ فلا یثبت شیء من حقوق الله تعالى بشاهد وامرأتین، ولا بشاهد ویمین، ولا بشهادة النساء منفردات وإن کثُرنَ، بلا خلاف أجده فیه)(4). نعم، إذا حصل العلم للقاضی من کثرتهنَّ فإنّه یمکنه الحکم حینئذٍ.

والنتیجة: هی أنه فی الزنا واللواط والمساحقة لابدّ من شهادة أربعة رجال، وفی السرقة وشرب الخمر والارتداد لابدّ من شهادة رجلین، ولا تقبل فی ذلک شهادة النساء لا منفردات ولا منضمّات.

الأدلة

استدل لما سبق بدلیلین:

الأوّل: الآیات، وهی ثلاث:

أ ـ قوله تعالى: (وَالَّذِینَ یَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ یَأتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم)(5).

منطوق هذه الآیة یبیّن حدّ القذف، وأنّه ثمانین جلدة، ومفهومها هو انتفاء القذف وثبوت الزنا مع شهادة أربعة شهداء، والشهداء جمع شهید لا شهیدة. إذن المقصود هو شهادة أربعة رجال، فلا یمکن للنساء أن یشهدن فی موارد الحدود. وهناک قرینة أخرى غیر مسألة أنَّ الشهداء جمع الشهید، هی مجیء الأربعة مؤنثة، فیُعلم أنَّ معدودها مذکّر، وهو المطلوب.

إن قلت: إنَّ ذکر الرجال فی الآیة الشریفة هو من باب التغلیب.

قلنا: التغلیب خلاف الظاهر ویحتاج إلى قرینة وهی مفقودة هنا.

ب ـ قوله تعالى: (لَولاَ جَاؤُوا عَلَیْهِ بَأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)(6).

مورد هذه الآیة هو قضیّة الإفک المعروفة، حیث أراد بعض الأشخاص التعرّض لسمعة النبی ـ صلّى الله علیه وآله وسلم ـ عن طریق اتّهام زوجته عائشة، فنزلت آیات الإفک وبیّنت تمام جوانب المسألة فی غایة الفصاحة والبلاغة، وقسّمت الناس إلى عدّة أقسام: الذین تولوا کِبَره فأسسوا له، والذین روجوه وأشاعوه بین الناس، والناس الذین وقعوا تحت تأثیر هذه الإشاعات. والآیة محلّ البحث تتحدث عن القسم الأوّل، فتقول بأنهم لماذا لم یأتوا بأربعة شهداء على هذه التهمة؟ ومفهومها قبول ما ذکروه مع إقامة أربعة شهداء علیه. وتقریب الاستدلال بها کسابقتها.

ج ـ قوله تعالى: (وَاللاَّتِی یَأتِیْنَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَائِکُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَیْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْکُم)(7).

تتحدث هذه الآیة عن حکم النساء الزانیات قبل نزول الحکم بجلدهنَّ، فتقول بأنَّ حکمهنَّ هو الحبس فی البیوت إلى أن یمتن، والملاک فی إثبات الفاحشة علیهنَّ هو شهادة أربعة رجال، وتتمة الآیة تدل على أنّه سوف ینسخ هذا الحکم لاحقاً حیث قال تعالى: (أَوْ یَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِیْلاً).

وهذه الآیات واردة فی مقام البیان، ونقول بأنّ طریق إثبات الحدود هو هذا الطریق فقط، أی شهادة أربعة رجال، ولو کان هناک طریق آخر کشهادة ثمان نساء مثلاً لکان یجب الإشارة إلى ذلک کما حصل فی الآیة التی بیّنت حکم کتابة الدین، فیعلم من ذلک عدم قبول شهادة النساء فی هذه الموارد، لا منفردات ولا منضمّات.

سؤال: لماذا منع الشارع المقدّس النساء من الشهادة فی هذه الاُمور؟

الجواب: لأنَّ قبول شهادتهنَّ فیها یلزم منه الوسوسة، حیث قد یدعوهُنَّ ذلک إلى التجسس، وبما أنهنَّ نساء فتأثرهُنَّ بالأجواء الفاسدة لهذه الاُمور أسرع، فکان الأفضل والأسلم لهنَّ أن یبتعدن عن هذه الاُمور حتى فی الشهادة.

الثانی: الروایات

هناک روایات کثیرة تدل على عدم قبول شهادة النساء فی الحدود، بعضها وارد فی (الوسائل) وبعضها الآخر فی (مستدرک الوسائل).

1 ـ عن غیاث بن إبراهیم، عن جعفر بن محمد، عن أبیه، عن علی علیهم السلام، قال: ((لا تجوز شهادة النساء فی الحدود، ولا فی القود))(8).

ودلالة هذه الروایة واضحة وجلیّة.

وأمّا سندها فلیس فیه إشکال إلاّ من ناحیة غیاث بن إبراهیم، الذی ذکر غالب علماء الرجال أنّه کان بطریاً، وهم زیدیّة العامّة، حیث إنَّ الزیدیّة على قسمین: شیعة، وعامّة. وغیاث کان عامّیاً وزیدیاً، ولکنّه موثّق، فتکون روایته موثقة لا صحیحة؛ لأنّه یعتبر فی الروایة الصحیحة أن یکون رواتها موثّقین وعلى المذهب الحق.

والراوی الآخر الذی یمکن أن یقع محلاً للبحث فی هذه الروایة هو أحمد بن أبی عبد الله البرقی، وهو نفس أحمد بن محمد بن خالد البرقی، ثقة عند جمیع علماء الرجال حتى عند ابن الغضائری. والمشکلة الوحیدة فیه هی إکثاره من الروایة عن الضعفاء، ولذا أبعده أحمد بن محمد بن عیسى ـ کبیر علماء قم فی وقته ـ عن قم، ثم أرجعه إلیها بعد أن تعهّد بترک الروایة عن الضعفاء، واعتذر إلیه، ولما توفی مشى أحمد بن محمد بن عیسى فی جنازته حافیاً حاسراً. ویظن البعض بأنَّ هذا التصرّف من ابن عیسى هو جبرٌ لخطئه فی إبعاده عن قم، ولکنّی أتصوّر بأن ذلک أسلوبٌ أراد به ابن عیسى إفهام من یهمهم الأمر أنَّ من یتعدّى الضوابط یعاقب بالإبعاد مثلاً، ومن یعترف باشتباهه یُعذر ویُتلاطف معه، وهذا فی الحقیقة فنٌ من فنون الإدارة(9).

وصلّى الله على سیدنا محمدٍ وآله الطاهرین.

__________________________

(1) المبسوط 8: 172.

(2) المقنعة: 775.

(3) الجواهر 41: 154.

(4) الجواهر 41: 158 ـ 159.

(5) النور: آیة 4.

(6) النور: آیة 13.

(7) النساء: آیة 15.

(8) الوسائل 27: 358، کتاب الشهادات، ب24، ح29.

(9) راجع جامع الرواة 1: 63.

الهوامش:
  
    
تاريخ النشر: « 1279/01/01 »
CommentList
*النص
*المفتاح الأمني http://makarem.ir
عدد المتصفحين : 1781